قبل نحو أكثر من خمسين سنة كان الفيلسوف الأشهر في العالم
الألماني مارتن هيدجر (Martin
Heidegger) يعيش رعبا حقيقا
تجاه التقنية، فكان يقول: التقنية الحديثة ليست مجرد أداة للعلوم الطبيعية الحديثة
إنما هي بنية علي اساسها يقوم العلم الطبيعي ، وبدونها لا وجود له.
كان يقول التقنية تقتلع الإنسان من جذوره الأرضية ، تذهب
به بعيدا لا ادري إلي أين؛ قالها في اخر مقابلة له.
دعونا منه الآن ...
بعده بسنوات قال ميشيل فوكو(Michel Foucault): أُعلِن موت الإنسان؛ طبعا ليس موتا عضويا، إنما موتا إن جازت العبارة
فكريا، أصبح لا وجود لما هو إنساني داخل الإنسان، كيف؟!
كان يقول إن العلوم الإنسانية ، - علم النفس والإجتماع والإنثروبولوجيا
والإقتصاد والسياسة وغيرها – تَصُوغ الإنسان عبر نظريات من خلال مجموعة من نُظم قوى
: مصلحة الإنسان المادية، وطبيعة الدولة التي تخدمها هذه العلوم.
بالتالي نحن أصبحنا ننظر لهذه العلوم الإنسانية أنها تتحدث
عن الإنسان بينما هي تصوغه لا تتحدث عنه، صار الإنسان يرى نفسه من خلالها بالتالي فلا
وجود له.
هذه مجرد مجوعة قوى الدلة ، النُظُم الإقتصادية، علاقات الأيدولوجيات
والأفكار بشتى إتجاهاتها هي ما يصوغ الإنسان.
بعده بسنوات جاء الفيلسوف العربي أبو يعرب المرزوقي كتب مقالة
بعنوان : الواقع وثن الفكر العربي الجديد.
واستغرب من ينظرون للواقع على أنه شيء موجود خارج الذهن يمكن
مشاهدته ومعاينته، ثم بعدها يمكن تحديد أطواله واتجاهاته، ثم على تلك المطالعة يمكن
تلبية احتياجات ذلك الواقع!!
قال : إن ذلك سُخف. ورد ذلك مبينا أن الواقع هو مجرد أشياء
تدور بأذهانننا، مجموعة نصوص من صحف ومجلات والكتب و لقاءات، وبعض البحوث هي ما نأخذ
منها أفكارنا. فالواقع هو ما نصوغه بأذهاننا، أما الموجد هذا هو نتاج الواقع.
قلت ( الدخين) : ما الفائدة من هذا كله؟
هذه المقدمات لأصل معكم لما يحدث لنا حاليا مع وسائل التواصل
الإجتماعي؛ أفهامنا البسيطة تخبرنا أننا من يؤثر في وسائل التواصل إذ أنها مجرد أدوات،
ونحن من يتحكم؛ وهذا غير صحيح، فما يحدث الان أنها أصبحت هي الواقع؛ بل الأدهى من ذلك
والأكبر أننا صرنا ننظر لأنفسنا من خلالها.
فما يحدث الان مع وسائل التواصل هو عين ما قاله هيدجر أننا
نذهب بعيدا عن جذورنا الإنسانية.
لنبسط الأمر بعض الشيء ....
تدخل البنت الشابة أو المراهقة لمواقع (الفاشينيستا) لمتابعة
أخبار الموضات، بعد فترة تصبح الموضات جزء لا يتجزأ من حياتها بل من ضرورات الحياة.
كذلك من يدخل المواقع الرياضية لدرجة تجعله ينتمي ويتعصب
لإنتمائه ويعادي الاخرين؛ ونفس القضية فيمن يهتمون بالسياسة، حيث لمجرد كونك من جنسية
ما أو لك مظهر معين يعرضك للقولبة والسب والشتم، فتضطر للدافاع عن نفسك أو تتماهي معهم،
وهكذا نعيش في عوالم كثيرة جدا.
فالأشياء التي نعتقد أنها تافهه لا تؤثر فقط بحياتنا بل هي
من تقودنا، ويدخل هنا مفهوم فوكو حول نظم القوى أو ما يسمونه (ميكانيزم القُوى).
ولنتعمق قليلا .....
كنّا نعتقد أن مواقع التواصل تعطى الإنسان حرية مطلقة، فيتكلم
بما شاء كيفما شاء.. أليس كذلك؟
لكن للأسف هذا غير موجود، فعند دخولك لها فأنت مضطر أن تتسق
مع نظام من نظم القوى.
مؤسسات الدولة لديها المال، ولديها أصفياء كُثُر يتحدثون
نيابة عنها، وعملهم لا ينحصر في دفعك لمحبة وموالاة الدولة إنما أيضا يمكنهم أن يستعدونها
عليك إن شعروا أنك ضدها.
ومثل ذلك مع أي توجه فكري أو ديني فإن تكلمت بما يوافق أو
يخالف ذلك الإتجاه = تُجَابه بسيل جارف من الهجوم وربما السباب، وبنفس الوقت يأتيك
من لا تعرف فيناصرونك، وبالطبع هؤلاء ضد أولئك، حينها تضطر أن تكون مع أحد الفريقين؛
لا استقلالية هنا، ولا تستطيع.
شركات الإعلانات و التسويق تستخدم مشهورا يمثل الإتجاه الذي
تريد ليُعلِن لها، فتجعل منتجاتها من خلاله التي تعتبر أحيانا أكثر من كمالية تصبح
عند المتابعين أكثر من ضرورية، ومن ذلك السفر والسياحة.
بل تعدى الأمر إلى أن إدارة هذه المواقع تتعاون مع القوى
العظمى والمؤسسات التجارية وتساعدها في محاكمة أي شخص يعاديها، وحتى إيقاف حسابه.
وحاليا أصبحت مجريات حياتنا خارج هذه المواقع أسيرة لما يصدر
عنها من أفكار أو مواد استهلاكية، أو انتمائات رياضية وسياسية حتى، وهلم جرا.
فإذن وقعنا في أسر هذه المواقع كما وقع العلم الحديث أسيرا
للتقنية كما يقول هيدجر في اليداية، وأصبحنا ننظر لذواتنا من خلال هذه المواقع كما
فعل إنسان فوكو، وأصبحنا نُدار من خلال نظم القوى السياسية والاستهلاك التجاري، وكذلك
الاتجاهات الفكرية تديرنا كما الدُمَى.
والمضحك أكثر أننا مازلنا نعتقد بالواقع الذي سماه أبو يعرب
المرزوقي " وثـــن " .
أكبر الاشكالات التي تمثلها هذه المواقع أنها تُغير عقولنا
وتجعلها غير منطقية على الإطلاق، ومن خلال حزمة أفكار بلا أدلة يمكن أن تُقاد الجموع
بلا عقل كما تقول سوزان جرينفيلد (Susan
Greenfield) في كتابها الجيد
" تغير العقل " . وكل فريق يعطيك حجج عقلية غير منطقية البتّة أو كما يسميها
علماء المنطق والجدل قديما حجج شعرية عاطفية لا حقيقة لها؛ فمع طول فترة القصف الذهني
لهذه المواقع = تفسد العقول.
والأحداث الأخيرة – لعله يقصد حصار قطر- أظهرت الناس بلا
عقول ومن الفريقين وتجد من يصفق لها، رغم غياب المنطق والعقل !
أخيرا ما الحل ؟
أعتقد أن كثيرا منّا يسأل ما الحل ؟
الحل الأول هو دراسة طرق التفكير وعلم المنطق والعلوم العقلية.
الحل الثاني وهو حل صعب على الكثير وهو المعرفة ثم المعرفة
ثم المعرفة، وأعني المعرفة الصلبة، أو علي الأقل الانتماء إلي من عندهم معرفة.
ويبقى هذان الحلان ليسا سحريين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق