الاثنين، 25 ديسمبر 2017

وَمِنْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ المتعيّن عَلَيه فِعْلُهُ فَهُوَ مفرّط مَغْبُون

أخي المسلم الصادق:
أعلم أن قلبك يحترق لما يحصل في الأمة من تشريد وتمزيقٍ وإذلال وقتلٍ وصدٍّ عن سبيل الله.
أفهم ما يصيبك ويؤلمك، وأعاني مما تعاني منه.
أعلم أنك تقرأ النصوص الواردة في فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله= فتطير نفسك في سماء الأمنيات؛ تريد الحصول على رضا الله والفوز بما عنده.
أعلم أن نفسك أحيانا تقول لك: (أريد جهاد القتال ولو لم يكن ظرفي وحالي يناسبه، ولو لم يكن هو واجب وقتي، ولو لم أكن مخاطبا به حالاً!
أريد اختصار الأوقات والمسافات!
فأقول لك: أبشر بما يسرّك؛ فلن تذهب هذه الأمنيات سدى، وهي عند الله بمكان.
لكن أعطني قلبك قليلا، وتعال معي في مجلس تأمّلٍ قصير.
دعنا ننظر في هذه القاعدة النافعة في الشريعة والتربية= لتستقيم لنا أمور الدعوة وطريق الأنبياء والرسل في إحياء شريعة الله في الناس؛ فرّغ ذهنك ووقتك لقراءتها مع التأمّل= تفز وتنجح:
جاء عند البخاري عن يُوسُفُ بْنُ مَاهَكٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ، فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ " قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ؟ قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ، قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ " إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ "، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ، فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ. انتهى.
أخي المسلم مبتغي الدار الآخرة:
ليس من الدين ولا من العقل أن تطلب من ضعيفي الإيمان= رأسَ الأمرِ وعمودَه، وذروةَ سنامه ونهاية مطافه -وهو جهاد السيف-؛ لبسط هيمنة دين الله على الناس؛ فيقبله من يريده ممن هدى الله، ويعرض عنه مَن أخزاه الله عن بيّنة.
فأكثر المسلمين غافلون مضيعون لمحكمات الشريعة، وغير المسلمين لم يروا إسلاماً أصلاً، وإن عُرِض عليهم= كان المعروض وهما وسرابا لا حقيقة له على الواقع!
ولكن الإنسان خُلِق من عجل؛ فمكابدة أوامر الشريعة، ومبارزة الشهوات والشبهات حتى تنقاد النفوس= أمرٌ لا يصبر عليه إلا الرسل والصديقون الصالحون من هذه الأمة.
ومن ترك الجهادَ المأمورَ به المتعيّن عليه فعلُه= فهو مفرّط مغبون.
قف قليلا!
أعِد قراءتها بتمعّن: (ومن ترك الجهادَ المأمورَ به المتعيّن عليه فعلُه= فهو مفرّط مغبون).
هناك طريقة سهلة للتهرّب والتملّص من هذا الواجب؛ لنجلس بعدها نندب أهلَ زماننا، ونعيب أهل الجهاد الباذلين وقتهم وجهدهم في تعليم الناس وردّهم إلى دينهم.

هل أدلّك عليها؟
قل: (الجهاد المراد به في حديث: "وتركتم الجهاد"= هو جهاد السيف فقط) -مع أن شراح الحديث ينصّون على أن المراد هو الجهاد المتعين فعله أيا كان-.
واستمر بعدها في ندبك وعويلك، ونَم نومة العروس إلى حين قفزةٍ إلى فعلٍ محرّم تظنه جهادا؛ فتخسر الدنيا والآخرة!
يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه: " ولا يكون عمله صالحا إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: «العلم إمام العمل والعمل تابعه» وهذا ظاهر. فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما. ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود.
ولا بد في ذلك من الرفق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه» وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وبعطي عليه ما لا يعطي على العنف»
ولا بد أيضا أن يكون حليما صبورا على الأذى: فإنه لا بد أن
يحصل له أذى؛ فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح: كما قال لقمان لابنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
ولهذا أمر الله الرسل - وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالصبر، كقوله لخاتم الرسل؛ بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة؛ فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة: " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ " بعد أن أنزلت عليه سورة: " اقرأ " التي بها نبئ فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}.
فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر، ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر، وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}. وقال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ}{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ}. {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر. العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان كل من الثلاثة مستصحبا.
في هذه الأحوال؛ وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعا، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به، فقيها فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه؛ حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه ".
وليعلم أن الأمر بهذه الخصال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يوجب صعوبة على كثير من النفوس، فيظن أنه بذلك يسقط عنه، فيدعه، وذلك مما يضره أكثر مما يضره الأمر بدون هذه الخصال أو أقل؛ فإن ترك الأمر الواجب معصية، فالمنتقل من معصية إلى معصية أكبر منها كالمستجير من الرمضاء بالنار، والمنتقل من معصية إلى معصية كالمنتقل من دين باطل إلى دين باطل، وقد يكون الثاني شرا من الأول، وقد يكون دونه، وقد يكونان سواء، فهكذا تجد المقصر في الأمر والنهي والمعتدي فيه قد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكون ذنب هذا أعظم، وقد يكونان سواء.".انتهى كلام الشيخ رحمه الله.
وتأمل كلامه رحمه الله حيث قال: "من كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآيات الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" اهـ.
وقال أيضا: "حيث ما كان للمنافق ظهور تخاف من إقامة الحد عليه فتنةً أكبرَ من بقائه عملنا بآية ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، ﴿وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، كما أنه إذا عجزنا عن جهاد الكفار علمنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيثما حصل القوة والعز خوطبنا بآية: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾". اهـ
هذا الكلام لو قاله أحد علمائنا الكبار في هذا الزمن لاتَّهمه أهل الطيش العاجزون عن الصبر وبذل ماء الوجه وعرق الجبين في سبيل دعوة الناس وردّهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم= بالجبن والخور والركون إلى الدنيا!
هكذا بكل سهولة!
أخي الغيور:
دين الله ظاهر، والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة ببذل أسبابه تارة، والسعي في مقاصده تارة، وحصول عينه تارةً أخرى، ودين الله غالب لا محالة، والمسلم في دار الابتلاء يتقلّبُ، ومردّه إلى دار النعيم المقيم.
وسيأتي زمن يكتمل دين الله في الناس ظاهرا وباطنا، وتظهر كل شعائره بكتابٍ يهدي وسيف ينصر.
قد ندركه وقد لا ندركه، هذا ليس مهما، المهم أن نشارك في بناء بيت هذا الزمن القادم.
أسأل الله تعالى الكريم الرحيم أن يردنا إلى دينه ردا جميلا، وأن يجعلنا من أهل العلم والعمل.

هناك تعليق واحد:

(ستٌّ وستُّون) كلمة، في الاستعداد لرمضان المعظَّم

الحمد لله وحده. (ستٌّ وستُّون) كلمة، في الاستعداد لرمضان المعظَّم. فكرة هذه الكلمات في بالي من أربع سنوات، ثم وفَّقني الله لكتابتها، ق...